السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

31

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ولكنك عرفت ان ما سواه تعالى ليس له الّا المملوكية فقط وهذه حقيقته فشئ منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى ، ولا النظر اليه يجامع الغفلة عنه تعالى ، فله تعالى الحضور المطلق ، قال سبحانه : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ( السجدة / 54 ) وإذا كان كذلك فحق عبادته تعالى ان يكون عن حضور من الجانبين . اما من جانب الرب عزّ وجل ، فان يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات ( المأخوذ في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) عن الغيبة إلى الحضور . اما من جانب الرب العبد ، فان يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير أن يغيب في عبادته فيكون عبادته صوره فقط من غير معنى وجسدا من غير روح ؛ أو يتبغض فيشتغل بربه وبغيره ، اما ظاهرا وباطنا كالوثنيين في عبادتهم للّه ولأصنامهم معا ، أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والاغراض ؛ كأن يعبد اللّه وهمّه في غيره ، أو يعبد اللّه طمعا في جنة أو خوفا من نار فان ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي ، قال تعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( الزمر / 2 ) ، وقال تعالى : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( الزمر / 3 ) . فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة ، إذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور الذي ذكرناه ، وقد ظهر انه انما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد أعطاه الشركة مع اللّه سبحانه في عبادته ولم يتعلق قلبه في عبادته رجاء أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه اللّه ، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الإنيّة والاستكبار ، وكأن الإتيان بلفظ المتكلم مع الغير للايماء إلى هذه النكتة فان فيه هضما للنفس بالغاء تعينها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الإنية والاستقلال بخلاف ادخالها